ابن عجيبة
481
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والشكر على ثلاثة أوجه : شكر بالقلب ، وشكر باللسان ، وشكر بسائر الأركان . فشكر القلب : أن يعقتد أن النعم كلها من اللّه ، وشكر اللسان : الثناء على اللّه وكثرة المدح له ، وشكر الجوارح : أن يعمل العمل الصالح . وسئل أبو حازم : ما شكر العينين ؟ قال : إذا رأيت بهما خيرا أعلنته ، وإذا رأيت بهما شرا سترته ، قيل : فما شكر الأذنين ؟ قال : إذا سمعت بهما خيرا وعيته ، وإذا سمعت بهما شرا دفنته ، قيل : فما شكر اليدين ؟ قال : ألا تأخذ بهما ما ليس لك ، ولا تمنع حقا هو للّه فيهما ، قيل : فما شكر البطن ؟ قال : أن يكون أسفله صبرا ، وأعلاه علما ، قيل : فما شكر الفرج ؟ قال : كما قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * الآية « 1 » ، قيل : فما شكر الرجلين ؟ قال : إن رأيت شيئا غبطته استعملتهما ، وإن رأيت شيئا مقته كفقتهما . ه . والناس في الشكر درجات : عوام ، وخواص ، وخواص الخواص . فدرجة العوام : الشكر على النّعم ، ودرجة الخواص : الشكر على النّعم والنقم ، وعلى كل حال ، ودرجة خواص الخواص : أن يغيب عن النعم بمشاهدة المنعم . قال رجل لإبراهيم بن أدهم : إن الفقراء إذا أعطوا شكروا ، وإذا منعوا صبروا ، فقال : هذه أخلاق الكلاب عندنا ، ولكن الفقراء إذا منعوا شكروا ، وإذا أعطوا آثروا . ه . وهذان الآخران يصدق عليهما قوله تعالى : « وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ، وخصه القشيري بالقسم الثالث ، فقال : فكان الشاكر يشكر على البذل ، والشكور على المنع ، فكيف بالبذل ؟ ثم قال : ويقال في قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ : قليل من يأخذ النعمة منى ، فلا يحملها على الأسباب ، فيشكر الوسائط ولا يشكرنى . وفي الحكم : « من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها » . فالشكر قيد الموجود ، وصيد المفقود . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر موت سليمان عليه السّلام ، فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 14 ] فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 14 ) يقول الحق جل جلاله : فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ ؛ على سليمان الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ أي : الجن وآل داود عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ أي : الأرضة ، وهي دويبة تأكل الخشب ، ويقال : لها ، سرفة والقادح . والأرض هنا مصدر : أرضت الخشبة ، بالبناء للمفعول ، أرضا : أكلتها الأرضة . فأضيفت إلى فعلها وهو الأرض ، أي : الأكل .
--> ( 1 ) الآية 5 من سورة المؤمنون .